محمد عبد الله دراز
258
دستور الأخلاق في القرآن
تنسحب خطيئة الإنسان الأوّل على كلّ النّاس ، ولكن هذه الخطيئة - في القرآن - لا ترتدي هذه الصّفة الدّنيوية ، الّتي تخصها بها الدّيانة المسيحية . فإنّ آدم لم يناقد للخطيئة لخبث في طبيعته ، أو سوء في إرادته . وليس يكفي أيضا أن يقال : إنّه إنقاد لإغراء قوي ، بل يجب أن نضيف - تبعا للقرآن - أنّ هذا الإغراء لم يكن في جوهره ذا طابع مادي ، فإنّ جدّنا الأوّل قد خدعته كلمات عدو أقسم له ، تأكيدا لكلامه « 1 » . وزعم أنّه ينصحه ، فاعتقد بسذاجته أنّه حين يأكل الفاكهة المحرمة فربما يصبح نقيا كنقاء الملائكة ، خالدا كخلود الإله : وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ « 2 » ، وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ « 3 » ، ويا لها من غلطة نبيلة ! ! . . فمن ذا يطيق ألا
--> ( 1 ) مما يجدر ذكره أنّ عقيدتنا بالنبيّ ، والإمام عليهما السّلام أن يكونا معصومين بمعنى : أنّ النّبيّ منزه عن كبائر الذنوب وصغائرها ، وعن الخطأ ، والنّسيان ، بل عما ينافي المروءة ، وعن كلّ عمل يستهجن عرفا . ولو انتفت العصمة عنهما - والعياذ باللّه - : لاحتملنا الخطأ ، والنّسيان ، وحينئذ لا تكون أقواله ، ولا أفعاله حجّة علينا ، ولا نكون ملزمين باتباعها ، وفي ذلك انتقاض الغرض . وقد أجمع الإمامية على القول بالعصمة ، وتنزيه الأنبياء عليهم السّلام ، من الخطأ ، والنّسيان ، وما يتوهم خلاف ذلك من بعض الأخبار فهي مؤلة ، فمثلا إنّ آدم وحواء عليهما السّلام لم يشاهدا من قبل ذلك من يحلف لهما باللّه كاذبا هذا أوّلا . وثانيا : كان ذلك من قبل آدم عليه السّلام قبل النّبوة ، ولم يكن ذلك بذنب كبير ، وأنّما من الصّغائر الموهوبة - لعل الإمام الرّضا عليه السّلام أراد « بالصغائر الموهوبة » : ترك المندوب - الّتي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي ، فلما اجتباه اللّه تعالى ، وجعله نبيا كان معصوما لا بذنب صغيرة ، ولا كبيرة . ( بتصرف ) . انظر ، كتاب الاحتجاج : 2 / 216 ، عيون أخبار الرّضا : 2 / 176 ، تفسير الميزان : 1 / 145 ، بحار الأنوار : 11 / 78 ، مسند الإمام الرّضا : 2 / 125 ، التّفسير الصّافي : 1 / 122 ، تفسير نور الثّقلين : 2 / 11 ، تفسير كنز الدّقائق : 2 / 64 ، قصص الأنبياء للجزائري : 17 ، حياة الإمام الرّضا للقرشي : 1 / 157 . ( 2 ) الأعراف : 21 . ( 3 ) الأعراف : 20 .